في منتصف شهر رمضان عام 1376 هـ، الموافق 20 أبريل 1957، لم يكن الجزائريون يحتفلون فقط بقدوم أيام العبادة والصيام، بل شهدت الثورة لحظة مفصلية في تاريخها العسكري والسياسي: معركة فِلاوُسِن قرب تلمسان.
كان عدد المجاهدين قليلًا مقارنة بالجيش الفرنسي المتفوق في العدد والعتاد: نحو 330 مجاهدًا في مواجهة 30,000 جندي فرنسي، و30 طائرة، و12 مروحية. لكن الصبر، العزيمة، والتخطيط الدقيق كان لهم الكلمة العليا. في رمضان، حيث يمتزج الصيام بالروحانية والهدوء، تحولت الجبال والوديان إلى مسرح للتضحية والشجاعة، ليكتب المجاهدون صفحة مضيئة في سجل الثورة.
النجاح كان مذهلًا: هزيمة الجيش الفرنسي بشكل ساحق، مع سقوط ما بين 500 و700 قتيل، و400 جريح، وطائرة أسقطت، بينما خسر المجاهدون عددًا أقل من ذلك بكثير. لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت رمزًا لعزم الشعب الجزائري على الاستقلال والتضحية في أحلك الظروف، وأثبتت أن رمضان لم يضعف الثورة بل عزز صمودها.
ورغم رد الفعل الفرنسي العنيف لاحقًا، فقد بقيت فِلاوُسِن علامة مضيئة في ذاكرة الثورة الجزائرية، درسًا في الصبر والتخطيط والشجاعة، وذكرى على أن الإيمان بالقضية والالتزام بالقيم يمكن أن يمنح القوة حتى في مواجهة المستحيل.
في رمضان، تتجلى هنا الرمزية: الصيام ليس فقط عبادة، بل قوة روحية تحفز الإنسان على الصبر والمواجهة، وتجعل من كل لحظة تضحية جزءًا من تاريخ الأمة. معركة فِلاوُسِن تذكّرنا اليوم بأن الشجاعة والعزيمة والالتزام بالقيم يمكن أن تُصنع النصر حتى في أصعب الظروف، وأن رمضان هو شهر العزائم الكبرى والتاريخ المصنوع بالروح والإرادة.
سارة محمد مرزوڨي















