شهدت منصة Piers Morgan Uncensored مناظرة مثيرة للجدل جمعت بين باسم يوسف وأحد أشهر المحامين المرتبطين بقضية جيفري إبستين، وهو Alan Dershowitz. اللقاء لم يكن مجرد نقاش قانوني حول وقائع قديمة، بل تحوّل إلى مواجهة حادة كشفت تبايناً عميقاً في المنهج والخطاب والرؤية، وفتح باباً واسعاً لتحليل أبعاد إعلامية وسياسية وأخلاقية تتجاوز القضية نفسها.
أولاً: السياق العام للمناظرة
قضية إبستين ما تزال رمزاً لشبكة معقدة من النفوذ والسلطة والعلاقات السياسية، ما يجعل أي نقاش حولها مشحوناً بطبيعته. دخول باسم يوسف إلى هذا الملف لا يأتي من موقع قانوني، بل من موقع إعلامي ساخر اعتاد تفكيك السرديات الرسمية وكشف التناقضات. في المقابل، يمثل ديرشوفيتز خطاباً قانونياً تقليدياً يرتكز على الدفاع الإجرائي والتمسك بحرفية القانون وقرينة البراءة. هذا الاختلاف البنيوي في المنطلقات هو ما جعل الحوار سريع الاشتعال.
ثانياً: أسلوب باسم يوسف – السخرية كسلاح جدلي
يوسف اعتمد على استراتيجيته المعتادة: طرح الأسئلة بطريقة ساخرة تكشف ما يراه تناقضات في الرواية القانونية أو في علاقات النفوذ المحيطة بالقضية. لم يقدّم نفسه كمدّعٍ عام، بل كمشكّك في الصورة الأشمل. قوته في هذه المناظرة كانت في قدرته على تحويل النقاش من تفاصيل تقنية إلى أسئلة أخلاقية وسياسية: كيف يمكن أن تتحرك قضايا بهذا الحجم لسنوات دون محاسبة أوسع؟ وما حدود مسؤولية من كانوا في الدائرة المحيطة بالقضية؟
لكن هذا الأسلوب يحمل مخاطرة واضحة. السخرية التي تنجح في المسرح أو البرامج الكوميدية قد تُفهم في سياق قانوني مباشر كاتهام صريح، خصوصاً عندما تتعلق بتسويات مالية أو اتهامات شخصية. وهنا ظهر التوتر؛ إذ اعتبر المحامي أن بعض الطروحات تجاوزت النقد العام إلى تشكيك مباشر في سمعته.
ثالثاً: ردّ المحامي – القانون في مواجهة الإيحاء
ديرشوفيتز تعامل مع النقاش من زاوية دفاعية صارمة. ركّز على أن أي اتهام يجب أن يستند إلى أدلة قضائية واضحة، وأن التسويات القانونية لا تعني الإقرار بالذنب. تصعيده اللفظي وتهديده باتخاذ إجراءات قانونية عكس حساسية الموقف، لكنه أيضاً كشف عن اختلاف عميق في فهم طبيعة المناظرة: هل هي مساحة حرة للأسئلة السياسية، أم منصة تُقاس فيها الكلمات بميزان المحاكم؟
من منظور تحليلي، كان المحامي متماسكاً في إطاره القانوني، لكنه بدا أقل استعداداً للتعامل مع خطاب رمزي أو ساخر لا يخضع لقواعد المرافعات القضائية.
رابعاً: البعد الإعلامي – مناظرة أم عرض؟
البرنامج نفسه معروف بإدارة حوارات صدامية. هذا السياق الإعلامي يدفع الضيوف أحياناً إلى تبني مواقف أكثر حدّة من المعتاد. المناظرة لم تكن مجرد تبادل أفكار، بل حدثاً استعراضياً يُبنى على التوتر لجذب المشاهدة. لذلك يمكن القول إن جزءاً من التصعيد كان نتيجة طبيعية لبيئة البرنامج.
هنا يظهر سؤال مهم: هل الهدف كان إقناع الطرف الآخر أم التأثير في الجمهور؟ باسم يوسف بدا موجهاً حديثه إلى الرأي العام، خصوصاً من يشككون في بنية النفوذ السياسي. أما ديرشوفيتز فكان يخاطب سجلّه القانوني وتاريخه المهني.
خامساً: الانقسام الجماهيري
ردود الفعل على المناظرة عكست انقساماً حاداً. أنصار يوسف رأوا فيه صوتاً جريئاً يواجه شخصية قانونية نافذة دون خوف، ويطرح أسئلة “محرجة”. في المقابل، اعتبر منتقدوه أن أسلوبه افتقر أحياناً للدقة، وأنه خلط بين الرمز والاتهام، ما أضعف حجته أمام خطاب قانوني منظم.
سادساً: بين حرية التعبير وحدود المسؤولية
المناظرة تطرح إشكالية أوسع: إلى أي مدى يمكن للإعلامي أو الساخر أن يذهب في نقده عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة؟ حرية التعبير تسمح بطرح الأسئلة الجريئة، لكنها تصطدم أحياناً بحدود التشهير أو الإيحاء القانوني. هذا التوازن الدقيق كان جوهر التوتر في اللقاء.
الخلاصة
مناظرة باسم يوسف مع محامي إبستين لم تكن مجرد نقاش حول قضية جنائية، بل كانت اختباراً لحدود الخطاب بين السخرية والقانون. يوسف حاول توسيع النقاش إلى مستوى أخلاقي وسياسي، بينما أصرّ المحامي على حصره في الإطار القضائي الصارم. النتيجة كانت مواجهة كشفت قوة كل منهما في مجاله، وأظهرت في الوقت ذاته هشاشة المساحة المشتركة بين الكوميديا السياسية والجدل القانوني. في النهاية، المناظرة لم تحسم شيئاً قانونياً، لكنها نجحت في إثارة نقاش أعمق حول السلطة، والمساءلة، ودور الإعلام في تفكيك الروايات الكبرى.















